أحلامٌ مقطّرة




2020/1/26


لم ألتفتْ حين ركضتُ أحمل ماتبقى من أطفالي وأحلامي.
باتت أحلامي تقطرُ مني مع عرقي ودمائي ودموعي
لم ألتفتْ سوى التفاتةً واحدة ، ودّعت فيها كلّ ذكرى سكنتْ زوايا منزلي ، وشقاء عمرٍ لم تهدهده السنين.
هذي هي الحربُ تتبارى مع مفهوم الخسارة ، فلم يعد المهمُّ أن تخسر ،
بل أن تحاولَ الخروجَ بأقلّ خسائر ممكنة ، ولاخسارة تعادلُ خسارة الإنسان .
مهما احتضنتِ الأحجارُ ذكرياتنا ودفأنا وأماننا ، وآه كم وكم وكم خسرت
يقولون أن السعادة ليست مرتبطة بالأشياء لكن.......
عندما تجردُك الحياةُ من كلّ شيءٍ تتزعزع قيمتك ،يتلاشى صمودك وتبدأ في حربٍ مع البقاء.
حتى الأوراق التي تثبتُ هويتك وملكية بيتك وإنهاءك لدراستك الجامعية تلاشت في لحظات ،
فقد تركتها وأنتَ تراهنُ الموت وتهرب من قدر الهلاك.
وأيّ هلاكٍ أقسى من رؤية أطفالك يموتون أمام عينيك، وأنت أشدّ عجزاً من ذرة غبار
لعنَ اللهُ الحربَ ما أقساها، وما أغبى البشر حين خلقوا ليعمروا ويتعارفوا فاحترفوا الجنون والاقتتال.
عندما تصبحُ مهجّراً تبدأ رحلةُ الانطلاق من الصفر من جديد ،
رحلة البحثِ عن مأوى ، بغضّ النظر عن شروطك المعتادة لتسكنَ أيّ مكانٍ. فهأنذا قد سكنت في مكان لو أنهم أخبروني أنني سأدفن فيه يوماً لرفضت أن أدفن فيه
لكن طالما لاخيار آخر متاح، فعليك أن تُخرس روحك التي تصرخُ ،وتقبلَ بالأمر الواقع
هذه من تعاليم الحرب أيضاً ، أخرسْ كبرياءَك، وتعايشْ مع الظروف ،وإلا ستُطحن كحبةِ قمحٍ بين حجري رحى الحياة
بدأتُ باستصدار بدل ضائع عن أوراقي التي انتهت مع نهاية بيتي ، في رحلة احتراقٍ جديدة ، فلن أستطيع العمل إن لم أمتلك أوراقاً ثبوتية
كيف أخبرهم أنّ ملامحي احترقت مع الورق ؟؟؟وأنّ أنفةَ روحي تداعتْ مع جدران بيتي المنكوبة؟؟؟
لكنني قررت إكمال الدرب كناجيةٍ
وقفتُ على قدمٍ واحدة أكمل رسالة حماية أطفالي،
وأمسك راية أحلامي قطيعة اليدين كي لا تعلن هزيمتي بسقوط راياتي ، أعمل ليل نهار.
الدربُ مجهولٌ وهذه القرية التي سكنتُها لاتعرفني،
وبيتي تبرّأ مني وتخلّى ،دمّرته يدُ الحرب .
كلُّ من أعرفهم ماتوا ، حتى أنا التي أعرفها ماتت.
الحربُ توقفت وهدأ استعارُ النيران
لكن لاشيء عاد كما كان .
البيت تلاشى وتلاشت معه الأحلام والأمان
الذين ماتوا لن يعودوا ، وهكذا بقيت وحدي مع وطني الجريح نعانق بعضنا ونحاول أن نلملم جراحنا .....علنا نكمل رسالتنا ونصنع للأطفال غداً أجمل



هناك 3 تعليقات:

  1. عندما يصارع الموت الحياة تسقط الكثير من القيم .فالقاتل يريد أن يقتل أناس حتى لايعرف أسمائهم ويعلم أنهم أبرياء لكنه يقتل ليعيش أو ليحسن ظروفه وكأن الموت صناعة أو تجارة.ومايثير الحفيظة والغيظ أن القاتل يدعي أنه صاحب حق.يبحث عن سبب يبرر اجرامه .الحرب لا دين ولا أخلاق .وأخيراً كل ماهدم يمكن أن يعوض لكن البشر من أين يعوضون .
    مقال جميل شكراً لل

    ردحذف